السيد عبد الأعلى السبزواري
83
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، أنه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ببصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسرّه لعلانيته موافقا ، لأن اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه » . أقول : هذه الرواية من أجلّ الروايات الواردة في المعارف الإلهية ، فقوله عليه السّلام : « علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها » ، لأنهم علموا أن الإنسان مركب من مادة وصورة ، ومن لوازم المادة والجسمانية زيغ القلوب ، فسألوا ربهم بهذا الدعاء الذي هو أكمل الدعوات بالنسبة إلى الاستكمالات الإنسانية في جميع العوالم التي ترد على الإنسان ، فعلمهم هذا من قبيل العلم باللازم بعد علمهم بالملزوم . وأما قوله عليه السّلام : « إنه لم يخف اللّه من لم يعقل قلبه على معرفة ثابتة ببصرها » ، فهو من القضايا الوجدانية التي يكون دليلها معها ويكفي تصوّرها في تصديقها ، لأن المخافة من الشيء تتوقّف على تعقّل ذلك الشيء ولو بالجملة ، فإن المخافة بلا تعقل تكون عبثا ولهوا ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ سورة فاطر ، الآية : 28 ] . وأما قوله عليه السّلام : « ويجد حقيقتها في قلبه » ، فهو من القضايا الفطرية ، لأن الاعتقاد بشيء يستلزم تصوره وتصديقه في الجملة ، وإلا فلا موضوع للاعتقاد أصلا . وأما قوله عليه السّلام : « ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا وسرّه لعلانيته موافقا » ، فهو من أتمّ البيان والحجّة لبيان العقيدة في شيء ، لأنه إذا كان الفعل مخالفا للقول وكان بينهما اختلاف وتناف ، لا تحصل العقيدة بذلك . نعم ، دعوى الاعتقاد الصوري مع مخالفة الفعل للقول حاصلة ، ولكن لا أثر لها ، ويدلّ على ذلك ما تقدّم في بعض الروايات عن الصادق عليه السّلام : « من حرم